|
من أدال بدأ مجد
إرتريا شامخا
بقلم/ مهندس سليمان فايد دارشح
الثورة في مضامينها
تعني إحداث تغييرات جذرية في الواقع المتردي سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ،وعلى ضوء نتائجها تتحدد مسارات جديدة ترسم معالم
المستقبل أو تحدد آفاقه. هي في التحليل النهائي صراع بين قوتين ، قوى استعمارية متخلفة ضاغطة وقوى ثورية تنشد التحرر والانطلاق
نحو آفاق أوسع. والثورة حتى تصنع الأحداث تمارس دورها وفقا لمنظور علمي تؤثر وتتأثر به بدرجة أو أخرى على الواقع المحيط بها وتمثل
رفضا للواقع المتردي بجميع أشكاله وأنواعه. وهنا تظهر علمية القوانين التي تمارس الثورة من خلالها عملية إحداث التغيير الجذري وهي
بهذا الفهم حالة من مدّ تارة وانحسار تارة أخرى في مسارها النضالي وتنسجم كل مرحلة من مراحل نضالها مع القيم والمبادئ الثورية
التي آمنت بها وناضلت في سبيل تحقيقها.
وكانت الثورة الارترية
كغيرها من ثورات الشعوب المضطهدة لا تبتعد كثيرا عن هذه المفاهيم فهي وليدة معاناة حقيقية قاستها الجماهير الارترية ردحا من الزمن
فكانت الثورة المسلحة لدى الشعب الارتري إرادة فعل واعية أمام التحديات والمخاطر التي كانت تهدد وجود وكيان الشعب الارتري . فكان
الفاتح من سبتمبر عام 1961م بداية المسيرة النضالية الشاقة التي قادها الشهيد البطل حامد إدريس عواتي بن فايدوم بن فايد ورفاقه
الأبطال من الرعيل الأول. تصدى هؤلاء الشجعان ببطولة للوجود الاستعماري وسطروا مسارا جديدا للحركة الوطنية الإرترية وأنهوا مرحلة
النضال السلمي التي دامت قرابة العشرين عاما الذي كبل حركة الجماهير وزخمها الثوري الفاعل في صنع مستقبلها.
لقد كانت شرارة أدال
بحق حدثا تاريخيا خلق التوافقية والانسجام التام بين الارتريين وفق منظور علمي جديد يصنع الأحداث ويحطم القهر والإذلال وينطلق نحو
آفاق أوسع وصولا إلى تحقيق الأهداف المنشودة في الاستقلال التام.ومن أدال بدأ مجد إرتريا شامخا وأقسم عواتي ورفاقه في ذلك اليوم
العظيم إن هامة الشعب الارتري لا تطال أبدا. زف قائد الثورة المسلحة عواتي إلى الشرفاء من أبناء إرتريا وللعالم مولد النور وبداية
نضال شاق وعظيم وتصميم شعب على انتزاع حريته بعنف الثورة ولغة الرصاص وتضحيات الرجال. زلزلت شرارة أدال الأرض تحت أقدام العدو
وعملائه وانفجرت بركانا فكانت ميلادا ومجدا وتاريخا وانطلاقة وبداية مرحلة جديدة من مراحل النضال الشعبي الارتري.
وعقب شرارة أدال
التاريخية استيقظ الإمبراطور الإقطاعي _ هيلي سلاسي_ من أحلامه التوسعية لأن الأرض التي بسط عليها نفوذه بلا حق وبلا قانون قد
اشتعلت لهيبا وان الشعب الارتري الذي ظن أنه استكان فاجأه بما لم يكن في حسبانه وتقديراته. وروى لي الشهيد همد حسن إدريس دوحين
وهو من المجموعة الأولى التي خرجت في أمسية 15/8/1961م مع القائد عواتي إلى الجبال لإعلان الثورة المسلحة المشهد قائلا:كان الحماس
شديدا وكان الكل ذاهبا لكي يموت أقدس ميتة وأشرفها وكل من حضر تلك الأمسية من الرعيل الأول يذكر حديث عواتي ويتذكر قوله عندما قال
لنا (نحن اليوم لا نخرج لقتال عدو أهان شعبنا واغتصب أرضنا فحسب ولكننا نخرج لنكتب تاريخا مشرفا لإرتريا ونتحدى سلطات الاحتلال
بكل أسلحتها وجيوشها ونقول لها إننا لا نقبل بعد اليوم حياة الذل والهوان وإننا عازمون ومن خلفنا الشعب الارتري العظيم للمضي قدما
في درب النضال والشهادة حتى التحرير). بهذه الكلمات أكد القائد عواتي ومن بعده رفاقه من الرعيل الأول إن المناضلين الشرفاء الذين
يقاتلون دفاعا عن حرية الوطن لا يتقدمون بطلب رخصة لحمل البندقية ولا يطلبون الإذن بإطلاق الرصاص على الأعداء من أحد . الوطن
المحتل هو وحده الذي يطلب منهم أن يحملوا البنادق ويقيموا المتاريس. عرف القائد عواتي ورفاقه المناضلين الحياة بمعناها الوطني
الصحيح ومعناها الثوري الأصيل وأرادوها كما عرفوها.
عمقت تلك الكلمات
المضيئة المشرقة في نفس المقاتل الارتري الإيمان بحقه في الحياة ووضحت الطريق أمامه نحو الهدف. وهكذا خلقت شرارة أدال مناخا ثوريا
حقيقيا سقطت في أجوائه كل الخلافات الطائفية والقبلية والإقليمية ووحدت صفوف الشعب الارتري وجمعت قواه وحركت طاقاته نحو متطلبات
المواجهة الجدية مع العدو الغاشم. وبهذه الوحدة والقوة والإيمان الراسخ بضرورة الكفاح المسلح من أجل تحرير ارتريا تحدى القائد
عواتي ورفاقه صعوبات مرحلة الانطلاق الأولى الشاقة والقاسية والمعقدة وواجهوا ببطولة نادرة التحديات التي كانت تواجههم في ساحات
القتال واستطاعوا بالمد الجماهيري والإيمان الذي لا يقهر وبعدد من البنادق العتيقة تحقيق الانتصارات المتتالية على قوات العدو
المسلحة بأحدث آلات الحرب وأكثرها دمارا. كما إن تمسك الجماهير الارترية بالكفاح المسلح بهذه الصورة الرائعة بقيادة عواتي كان
تمسكا واعيا قطع الشك في أن الكفاح الشعبي المسلح لم ينشأ من فراغ ولم يبدأ بصورة عفوية وإنما كان حالة متطورة لنضال لم ينقطع
والاختيار الوحيد الذي يضمن تحقيق أهداف البلاد والعباد.
وكان الجميع ينتظر
ميلاد الثورة المسلحة والكثيرون من أبناء إرتريا الشرفاء عملوا من أجل هذه الولادة ومهدوا لها الطريق في الداخل والخارج.
تحية إكبار وإجلال في
يوم الفاتح سبتمبر العظيم لهؤلاء الشهداء من الرعيل الأول الذين سكبوا دماءهم الطاهرة من أجل انبلاج الفجر الجديد المرتقب في ربوع
ارتريا.
التحية للأحياء من
رفاق عواتي الأول (متعهم الله بالصحة والعافية) الذين ربضوا في خنادق القتال وصارعوا الأهوال الطبيعية وسهروا الليالي وأيديهم على
الزناد وسجلوا الملاحم الفذة وهم يسعدون بتلك الحياة التي يترقبون عبرها فجرا عظيما- فجر الاستقلال لإرتريا الغالية,
|