|
رتريا .. هل يكون الجيل الحاضر بلسَماً لجراحات الماضي ؟
موسى أحمد يوسف
آكرا .. غانا
كانت فترة الأربعينيات مليئة بالأحداث السياسية
والأمنية في منظور الإستراتيجيات الدولية والأقليمية التي إعتمدت أولويات بنودها الإستعمارية ، على مصالحها المستقبلية في منطقة
القرن الإفريقي بوجهٍ عام ، وفي إرتريا بوجهٍ خاص ، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية تمهيداً للإنتقال من مرحلة الإستعمار
المباشر إلى الإستعمار الحديث بأدوات وعناصر محلية ترتدي أغطية وطنية ، و بمداخل تُقوِّم أبعاد مخططاتها التكتيكية في الوصول إلى
تلك الأهداف التي وضعتها على أعناق الإرادة الصميمية لمطالب شعبنا الوطنية من خلال دعم ومساندة فصول المسرحيات الوهمية للأطماع
الإثيوبية ، وأدواتها الطائفية المحلية من بعض أبناء المرتفعات وحزبهم أندنَّت المدعوم من إثيوبيا من جهة ، ودور النخبة الإرترية
التي قامت بتأسيس أحزابها السياسية وإستوعبت من وقتٍ مبكرٍ من تلك الحقب حجم المؤامرات الخبيثة ، والضرورات الوطنية الملحة
ومتطلباتها أبان فترة تحديد وتثبيت الهوية بمطالبها التأريخية وصمودها النادر من الجهة الأخرى .
وقد أثبتت تلك المشاهد التأريخية الخالدة ، المواقف البطولية لهؤلاء النخب الخلاَّقة التي إستطاعة بصمودها رسم الخارطة السياسية
وتحديد الهوية الوطنية لشعب إرتريا التي كانت تتجاذبه خيارات ورغبات أمم أخرى في محاولاتٍ يائسة لإذابته وطمس ملامحه الجيوسياسية
في ثنايا أجندة الإطماع الخارجية والأقليمية ، بالتنسيق مع قوى محلية كان لها دور مشهود في خدمة تلك الأجندة الخطيرة ، وبالتالي
إلحاق الكيان الإرتري قسراً بإثيوبيا هيلي سلاسي ، حيثُ لم ينتهي أو يتوقف الدور المحلي بدوره الإلحاقي إلى ذاك الحد ، بل إستمر
في غيِّه وعمالته في خدمة إثيوبيا من فترة أربعينيات القرن الماضي إلى الإمتداد الزمني الذي خاضت فيها الثورة الإرترية الكفاح
المسلح منذ نشأتها عام ١٩٦١ بقيادة حامد إدريس عواتي وإلى سقوط نظام الأمبراطور هيلي سلاسي في عام ١٩٧٤ .
حيث كانت القوى السياسية الوطنية مؤهلة وقادرة على تحمل أقدار مسؤليتها التأريخية ، بتلك المواقف البطولية التي تجلَّت فيه
الإحساس العميق والفهم المتقدم على إستيعاب المفاهيم الوطنية في تلك المرحلة العصيبة في التأريخ الإرتري والذي يعكس دون أدنى شك
مستوى الوعي السياسي والقدرة التحليلية الفائقة لرجالات تلك المرحلة التي تمثلت في شخصية الشهيد البطل عبد القادر صالح كبيري
والشهيد البطل إبراهيم سلطان علي ورفاقهم من الوطنيين الأحرار في حزب الكتلة الإستقلالية رحمهما الله وأسكنهم فسيح جناته مع
الصديقين والشهداء .
والمخططات التي مرَّت بها إرتريا لم تختلف عن المخططات التي عمَّت دول الجوار في المضامين السياسية ومراميها الخطيرة حيث طالت
مطالب إثيوبيا الصومال تمهيداً لضم منطقة أوغادين وجزء من الأراضي السودانية ، كما قامت كينيا بضم منطقة إن إف دي التي تبلغ
مساحتها ٣٥٠ ألف كيلو متراً مربعاً في عهد رئيسها الراحل جومو كينياتا بالرغم من الإحتجاجات والشكاوى الذي قام به الشعب الصومالي
في المقاطعة وخاصةً بمدينة وجير عاصمة الأقليم .
ولكل هذه الفصول كانت عناصر عميلة محلية تعمل بلا إنقطاع في تأييد ودعم وإشاعة المخططات الدولية والإقليمية في المنطقة والذي كان
يتصدرها حزب الوحدة العميل في إرتريا ، وكثير منا قد يجهل العمق التأريخي الذي وصلت إليه مجموعة حزب الوحدة العميل وإنغماسها في
المستنقع الإثيوبي ودورها الخطير في محاولات مسخ الهوية الوطنية الإرترية ، ليس من خلال مناداتها بالوحدة إلى إثيوبيا وضم الكيان
الإرتري كحزب سياسي عميل يرفع شعار الضم فحسب ، بل عمل في جميع المرافق والمؤسسات الإثيوبية في البلاط الملكي كدبلوماسيين
وسياسيين للقيام بأدوار خطيرة على المحافل الدولية وخاصةً المنابر الإفريقية والأروبية ، ومستشارين ، وطيارين ، وعسكريين ، منذ
مطلع أربعينيات القرن الماضي إلى فترة سقوط الأمبراطور هيلي سلاسي الذي أطاح به الدرق بقيادة الجنرال أمان ميخائيل عندوم عام ١٩٧٤
م
الحقائب الدبلوماسية - هذه الحقائب كانت تقوم بأخطر الأدوار السياسية والدبلوماسية في محاولات تمييع القضية الإرترية وتزوير
التأريخ الإرتري بكل ما تملكه من حنكة سياسية ودبلوماسية أمام المحافل الدولية والإقليمة بجانب الطوق الإعلامي الذي فرضته إثيوبيا
لتغطية عملياتها العسكرية التي تمثلت في مواجهة الثورة الإرترية ، والقيام بحملات الإبادة الجماعية في الأرياف والمدن والتي بدأت
في عام ١٩٦٧ . وتلك كانت العناصر التي خاضت حرباَ دبلوماسية ضد الشرعية والوطنية ، وهم /
- سرِّقيبرهان جبرزقي سفير إثيوبيا إلى اليونان .
- تدلا بايرو سفير إثيوبيا إلى السويد ، إلتزم بجبهة التحرير الإرترية في عام ١٩٦٤ م .
- ملس عندوم سفير إثيوبيا إلى مصر .
- د. تسفايي جبرزقي سفير إثيوبيا إلى الأمم المتحدة نيو يورك .
- إفريم تولدي مدهن سفير إثيوبيا إلى أميركا .
- بطروس ساهلو سفير إثيوبيا إلى السويد .
- يوهنس تسقي سفير إثيوبيا إلى السوفييت سابقاً ..
- يوهنس تسفازقي سفير إثيوبيا إلى اليابان .
- قويتؤوم بطروس سفير إثيوبيا إلى المكسيك .
- مسفن بيقاشيت سفير إثيوبيا إلى فرنسا .
أما القيادة العسكرية والمراتب العليا في المؤسسة العسكرية الإثيوبية من الإرتريين من أعمدة حزب آندنَّت يتجاوز بكثير مراتب
الإثيوبيين إن لم يكن معدوماً في عهد الأمبراطور هيلي سلاسي ، وقد يعتقد البعض إن قوة الكوماندوس هي الأولى من نوعها التي تم
تشكيلها لتصفية الثورة الارترية ، ولكن لقد أبرزت الوثائق المدونة في كتاب البروفسير كنديي الإثيوبي الجنسية بأن قيادة كل المؤسسة
العسكرية الإثيوبية للكوماندوس والطور سراويت بمجملها كانت بقيادة هؤلاء الجنرالات ذوي الاصول الإرترية ، وهم /
- الجنرال أمان ميخائيل عندوم الحاكم العسكري لإقليم أوغادين ورئيس المجلس العسكري الإنتقالي الدرق لاحقاً .
- الجنرال إياسو منجشا قائد القوات المسلحة .
- الجنرال إسياس جبري سلاسي قائد قوة المشاة .
- الجنرال يعقوب جبري لؤول نائب قائد القوات المسلحة .
- الجنرال أسفا جبرزقي قائد القوة الجوية .
- الجنرال مبراهتوا فسها نائب قائد قوات الشرطة .
أما الحقائب الوزارية التي تتكوَّن من الإرتريين العملاء من الممكن تلخيصها على الآتي دون تعليق .. وهم /
- لورينزو تأزاز وزير دولة في وزارة الشؤون الخارجية .
- إمبايي ولدي ماريام وزير العدل
- كفلي إزقي يحدقوا رئيس المحكمة العليا .
- جبري مسقل كفلي إزقي وزير التعليم .
- جبري مسقل هبتي ماريام وزير البريد والبرق والأتصالات .
- داويت عقبازقي وزير دولة في وزارة الخارجية .
- أسفها ولدي ميخائيل وزير العدل ، الذي إنتقل من حقيبة وزارة إثيوبية إلى رئيس حكومة إرترية لأكمال الضم وإلقاء الإعلان المشؤوم
الذي أنهى الإتحاد الفدرالي ، بالتنسيق مع العميل القس ديميطروس نائب البرلمان الإرتري ، اللذين قاما بتهميش وتجاوز الصيغ
القانونية الدستورية بعد أن رفض الشيخ حامد فرج رئيس البرلمان رحمه الله ، قرارات الضم القسري إلى إثيوبيا .
- سيوم حرقوت أباي وزير في مكتب رئيس الوزراء أكليلو هبتي ولدي وصهر الأمبراطور هيلي سلاسي .
- تسفا يوهنس برهي وزير المعادن .
- أرأيا عقبازقي وزير دولة للشؤون الخارجية .
هذه العناصر دون أدنى شك تؤكد صدق وبداهة الشهيد البطل عبد القادر كبيري الذي وصف هذه الظاهرة بالشكل الذي يليق بمواقف تلك الفئة
العميلة في إحدى كتاباته الموثقة والذي يقول فيها الآتي ..
يسرك جدًا ويسر كل حر يتمنى لنفسه ولقومه ولبلاده الحرية والاستقلال، هذا وأهل أسمرا انتخبوا أخاك رئيسًا للجنتها، وبذلك حملوني
عبئًا ثقيلاً لا يطيقه كاهله، ولولا أنك بعيدا لما كان لها أهل إلا حضرتك أيها الأخ، ولكن يقال بالمثل في بلادنا: ( عدا تركابي
يعديو ) أي الدين يدفعه من حضر.
أما سبب التفكير في تأسيس الرابطة ليس إلا لاضطهاد مواطنينا المسيحيين للعنصر الإسلامي ومن لا يؤيد طلباتهم من الانضمام إلى
إثيوبيا بلا قيد ولا شرط، ونحن رزقنا الله السمع والبصر كيف نفكر بالانزواء تحت راية إثيوبيا المستبدة ظلمًا وطغيانًا؟ ألم نر
حالة إخواننا المسلمين الذين يعدون بعشرة ملايين نفس ليس لهم حول ولا قوة ؟
أما الاضطهاد فحدث عنه ولا حرج من الأقلية الحقيرة، فإننا نظرًا لذلك وثبنا وثبة رجل واحد، وصممنا على الدفاع عن كياننا، وأن
نطالب بحقوقنا إلى الممات، وعلمنا الله أننا لا نعاب عليه بل إذا لم نجد- لا سمح الله- تلك الضالة المنشودة،- يبدو أن في هذه
الجملة سقط- فيكون عذرنا واضحا عند الله وعند خلق الله ، وسيحفظه التأريخ لأجيال عديدة ، وأما مرامنا فهو -عش بالعز والإقبال
يومًا ، ولا تحت المذلة ألف عام - إنتهىى
هذه العناصر كلها مجتمعة تعبر عن مواقف خطيرة ومحطات مؤلمة في التأريخ الإرتري الحديث ، تقابلها مواقف بطولية صنعتها كوكبة عظيمة
تظل محط الفخر والإعتزاز من لدن شعبنا الصامد ، وسوف يذكر التأريخ مناقبها وصمودها التأريخي وتضحياتها في سجلات الخالدين ...
وهنيئاً للأجيال التي تنتمي لهذه الكوكبة ، نضالاً وأخلاقاً وإحساساً وطنياً أصيلاً من تلك الفترة التأريخية إلى يوم الإستقلال ..
فهل أجيال من ظلمنا في الماضي تكون بلسماً لجراحاتنا بعد الإستقلال ؟
|